المحكمة الدولية قدر لبنان... وقدر سوريا
 

القائمة

 

 

المحكمة الدولية قدر لبنان... وقدر سوريا

 

المحكمة الدولية قدر لبنان... وقدر سوريا

 خيرالله خيرالله

 09 تشرين الأول, 2008

من حق السلطات السورية حشد قوات على طول الحدود مع شمال لبنان. ومن حقها أن تطالب أيضا بتنسيق أمني مع الجانب اللبناني من أجل منع التهريب في الاتجاهين في المنطقة الحدودية والتصدي لما تسميه الحركات المتطرفة والإرهابية. أن يكون هناك تنسيق أمني بين البلدين أمر أكثر من طبيعي، خصوصًا عندما تكون هناك ندية في العلاقة بين بيروت ودمشق. مثل هذه الندية شرط أساسي لا مفر منه في حال كان مطلوبًا أن تكون العلاقات اللبنانية - السورية من النوع الصحي الذي يخدم مصالح الشعبين والبلدين بعيدًا عن عقد الماضي. في مقدّم العقد الفهم الخاطئ لطبيعة لبنان خصوصًا بسبب الإعتقاد بأن لبنان خطأ تاريخي. والمعني بالخطأ التاريخي أن لبنان أرض سلخها الإستعمار عن سوريا مثلما سلخ عنها لواء الإسكندرون الذي كان إلى أمس قريب جدًا يحمل تسمية "اللواء السليب" في المنشورات الرسمية السورية.

هناك من دون أدنى شك مشكلة حديثة نسبيًا تتمثل في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط - فبراير 2005. أدت هذه الجريمة إلى قيام المحكمة الدولية التي ستبصر النور عاجلا أم آجلا كما صدرت على أثرها سلسلة من القرارات عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في شأن توصيف الجريمة والمسائل الأخرى المتعلقة بإنشاء المحكمة وصلاحياتها. هل تستطيع السلطات في دمشق التصرف بمعزل عن المحكمة الدولية؟

لا شك أن الوضع في شمال لبنان في غاية التعقيد. ولا شكّ أيضًا أنّ سوريا مهتمة بالوضع في الشمال، خصوصًا في مدينة طرابلس، من منطلق أن طرابلس مدينة سورية، من وجهة نظر دمشق، وأن طرابلس الشام هي مثل دمشق وحماة وحمص وحلب ودير الزور... أو أي مدينة سورية أخرى. لكن ذلك لا يمنع من توجيه دعوة إلى التمهّل والتروي وطرح سؤال في غاية البساطة. فحوى السؤال أنه في حال كانت طرابلس مدينة مليئة بالمتطرفين الذين يسميهم المسؤولون السوريون "سلفيين"، علما أن ثمة فارقًا بين الإنتماء إلى السلفية والإنتماء إلى تنظيم إرهابي مثل"القاعدة"، من يتحمّل مسؤولية تحوّل عاصمة الشمال، وهي المدينة الثانية في لبنان، إلى قاعدة لـ"القاعدة"؟ هنا لا يمكن سوى العودة إلى الماضي القريب والتذكير بأن طرابلس بقيت تحت السيطرة المباشرة للنظام السوري أمنيا وسياسيا منذ العام 1984، تاريخ خروج ياسر عرفات منها تحت دوي المدفعية السورية؟ هل نتيجة ربع قرن من الوجود الأمني السوري في طرابلس أن تصير المدينة بين ليلة وضحاها ملجأ آمنًا لـ"القاعدة"؟ قليل من المنطق يبدو أكثر من ضروري. قليل من المنطق يساعد في إعادة العلاقات اللبنانية - السورية إلى الطريق الصحيح بعيدًا عن المزايدات والتهويل.

قبل كل شيء، لا بدّ للنظام في سوريا من التخلي عن أوهامه اللبنانية تمامًا مثلما تخلّى عن وهم إسترجاع اللواء السليب. في المقابل، يفترض في اللبنانيين الإعتماد على محاور مع دمشق إسمه الرئيس ميشال سليمان. إستطاع الرئيس اللبناني، أقلّه إلى الآن، إعتماد لغة لا تستفز السوريين وهذا يساعد إلى حد كبير في فتح صفحة جديدة بين بيروت ودمشق مبنية على الثقة المتبادلة وعلى أن مستقبل العلاقات بين البلدين يجب أن يكون في منأى عن عقد الماضي من جهة وعن المحكمة الدولية من جهة أخرى. المحكمة حقيقة قائمة. في حال كان أركان النظام السوري بريئين من دم رفيق الحريري واللبنانيين الآخرين الذين اغتيلوا بعده، لماذا لا توضع المحكمة الدولية بين قوسين في انتظار ما ستتوصل إليه المحكمة التي أقرها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من شرعة الأمم المتحدة.

هناك واجبات على اللبنانيين مثلما أنّ هناك واجبات على السوريين. من حق سوريا حشد قوات على الحدود مع لبنان في حال شعرت نفسها مهددة. ولكن من حق لبنان طرح أسئلة من نوع من يهدد من؟ ومن يدخل المسلحين والأسلحة إلى الأراضي اللبنانية؟ هل هناك مدخل آخر غير الأراضي السورية، خصوصًا بعد صدور القرار الرقم 1701 عن مجلس الأمن الذي باتت بموجبه الشواطئ اللبنانية تحت مراقبة دولية من البحر؟

تقضي المصلحة في إيجاد صيغة تعايش بين لبنان وسوريا. كان اتفاق الدوحة الذي رعته دولة قطر خطوة مهمة في هذا الإتجاه. على النظام السوري التخلي عن عقده والنظر إلى لبنان بطريقة مختلفة تتجاوز الماضي، ذلك أن ما مضى قد مضى فعلا. بكلام أوضح، يفترض في دمشق التوقف عن الرهان على أنها لا تزال موجودة عسكريًا وأمنيًا في لبنان لأنّ "حزب الله" ملأ الفراغ الذي خلفه إنسحابها من أراضي جارها الصغير. أكثر من ذلك، لا بدّ لدمشق من الاقتناع بأنّ سوريا ليست روسيا وأنّ لبنان ليس جورجيا وأنّ شمال لبنان ليس أوسيتيا الجنوبية أو أبخازيا. في النهاية، "حزب الله" حزب مذهبي تأتيه التعليمات من طهران وليس من دمشق. أما لبنان، بفئاته المتعددة، فعليه ترك مسألة التعاطي مع دمشق لجهة واحدة هي رئاسة الجمهورية. تبقى المحكمة الدولية التي هي شأن آخر. صارت المحكمة قدرًا إن بالنسبة إلى سوريا أو بالنسبة إلى لبنان! القدر الآخر أن على كل من البلدين العيش إلى جانب الآخر بمحكمة دولية أو من دون محكمة... كلفة التعايش في ظل صيغة معقولة تظل الأقل كلفة بالنسبة إلى أي منهما... إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولا!

 

 

للتعليق على الموضوع

الاســـــــــــــــــــم :

البريد الالكتروني :

الــــتـــعــــلـــيـــق :

 

 
   
الصفحة الرئيسية
الكلمة الاولى
ما نقر به
علم ونشيد الحركة
بيانات وتعليقات الحركة
مقالات
الارشيف
 إتصل بنا
Join us

 

 

 

 

 

Copyright ©  New Lebanese 2007