لم يكن إبراهيم حميدي أوّلَ صحفي يكسر الأمنُ السوري قلمَه .. ولن يكون الأخير!
 

القائمة

 

 

لم يكن إبراهيم حميدي أوّلَ صحفي يكسر الأمنُ السوري قلمَه .. ولن يكون الأخير

 

لم يكن إبراهيم حميدي أوّلَ صحفي يكسر الأمنُ السوري قلمَه .. ولن يكون الأخير!

  18 تشرين الأول, 2008

خسر النظام السوري بمنعه صحيفة "الحياة" من التوزيع في سورية. فقد كانت الصحيفةَ الأهمَّ بين الصحف العربية المهاجرة التي تنقل من داخل سورية أخبارا يود النظام أن تنشر خارج سورية وعلى صفحات صحيفة واسعة الانتشار مثل الحياة. كما أنها لم تكن من الصحف التي تجرؤ على فضح استبداد النظام وقمعه. بل إنها كثيرا ما كانت تقدم له الرشوة الصحفية تلو الأخرى، مثلما يقدم "المزارع" "خوّة" للبلطجي الذي يشهر عصاه في وسط السوق، خوفا على ثماره التي يحملها إلى السوق أن يصادرها قاطع الطريق هذا. كما لم تكن الحياة أول صحيفة تشير إلى وقوع الحوادث الأمنية، التي كثرت في الآونة الأخيرة في سورية.

أغلب الظن أن أهم سبب لإغلاق مكتب "الحياة" في دمشق ومنع توزيع أعدادها في سورية أنها مملوكة للأمير "خالد بن سلطان"، إمعانا من النظام في إظهار عداوته "للملكة العربية السعودية" التي تحظى باحترام أقطارعربية كثيرة بما تقدمه من أيادٍ بيضاء لهذه الأقطار. في نفس الوقت كانت المملكة تمتنع عن التدخل في شؤون تلك الأقطار الداخلية. بخلاف النظام السوري الذي لا يحظى بكثير احترام إلا في هذا القطر العربي الصغير أو ذاك، على خوفٍ من أن يأمر هذا النظام أجهزته الأمنية، فتقوم بأعمال تخريبية من شأنها زعزعة الأمن في هذا القطر العربي أو ذاك، مثل الجريمة التي قام بها ضابط مخابرات سوري برتبة نقيب بوضع عبوة متفجرة في مبنى جمعية الإصلاح الاجتماعي ومجلة المجتمع في الكويت عام 1981. ولطف الله أن تم كشفُ هذه الجريمة، قبل أن تنفجر العبوة الناسفة فقام النظام السوري بتهريب النقيب المجرم عبر الحدود البرية.

حاول الصحفي "إبراهيم حميدي" مدير مكتب صحيفة الحياة في دمشق، أن يرش بعض السكر على تركه العمل في صحيفة الحياة، بل إرغامه من قبل أجهزة الأمن السورية فقال: (أما أنا فلن أكون -مهما كان الثمن- جزءاً من حملة إعلامية وسياسية تستهدف بلدي 7/ 10/ 2008 نقلا عن الوطن السورية). قرّاء الحياة يعلمون أنه: لم يكن هناك حملة إعلامية استهدفت الحياةُ بها سورية ولا من يحزنون. وما كان لها أن تفعل ولا تجرؤ. وهي الصحيفة التي تعلم إدارتُها أكثرَ من غيرها فداحةَ الثمن التي ستدفعه أي صحيفة تستهدف النظام السوري.

ابتداء، إنه لمن الإنصاف أن ننوه بالمهنية الصحفية التي يتمتع بها إبراهيم حميدي، وأن له قلما سيالا عندما يكتب. ظهر ذلك منذ أن استلم مكتب الحياة في دمشق بداية التسعينيات. استطرادا فقد كانت الحياة ترفض نشر مقالاتٍ معارضي النظام السوري خصوصا من كان منهم محسوبا على جماعة الإخوان المسلمين السورية. وقد أرسلت -كما أرسل معارضون غيري- مقالات كثيرة إلى الحياة تتناول الشأن السوري، كان مصير 999%منها سلةَ المهملات. أرادت الحياة من ذلك إيصال رسالة إلى من يود الكتابة فيها: "لا تكلفونا مع النظام السوري.. فوق ما نطيق" . بعد ذلك تحولت لكتابة مقالات كنت أدور فيها حول الغرض الذي أريد، وكان أكثرها ردودا على ما يكتبه "حميدي" الذي كان في كتاباته يحاول أن يظهر سورية وكأنها جنة الله في أرضه في ظل النظام السوري. نشرت الحياة بعض ما  كتبت في بريد القراء بما لا يتعارض مع نهج الحياة الصارم في الابتعاد عن كل ما يثير غضب النظام السوري. جمعها "حميدي" ورد عليها بمقال مطول حاول فيه أن يفند ما كتبت فكان رده محاولة أخرى في التقرب من النظام. وحتى لاأغرق المقال بخصوصيتي مع الحياة ومع حميدي، سأحاول إلقاء الضوء على السبب الحقيقي وراء استقالة/ أو إقالة "إبراهيم حميدي" من عمله مع صحيفة الحياة.

فقد جاء في تبريره لتركه العمل في الحياة أو إرغامه على الترك، في مقال كتبه "حميدي" في "الوطن" التي تصدر من سورية في 7/10 /2008 تحت عنوان "لماذا تركت الحياة الآن"؟ ما يلي: (لا بد من نهاية ما، لكل علاقة. المهم ألا تكون النهاية مبكرة  أو متأخرة. وآمل أن يكون قراري ترك صحيفة "الحياة" في دمشق قد جاء في اللحظة المناسبة).

هذا الكلام يستبطن حساسية خاصة عند "حميدي" تجاه أجهزة الأمن السورية. فقبل ست سنوات  اعتقلت إدارة الأمن السياسي "إبراهيم حميدي"، عندما اللواء الراحل "غازي كنعان" يرأس إدارة الأمن السياسي، على خلفية خبر نشرته الحياة، وكانت قد سربته لها إدارة الأمن العسكري التي يرأسها اللواء "أصف شوكت" مفاده: أن هناك مخيمات يجري إنشاؤها على الحدود بين سورية والعراق لإيواء العراقيين الهاربين إذا ما اجتاحت واشنطن العراق. وكان اللواء كنعان قد حذر من نشر أخبار لها صِفة سياسية قبل الرجوع فيها إليه. وقد استمر اعتقال "حميدي" لأكثر من ستة أشهر كان فيها ضحية لصراع النفوذ بين جهازين أمنيين سوريين. وكما يقال في المثل: "راح بين الرِّجلَيْن ووقع بين سفاقين". وهذا ما يفهم من قول "حميدي": "آمل أن يكون قراري ترك صحيفة "الحياة" في دمشق قد جاء في اللحظة المناسبة". فقد خشي أن يعاد اعتقاله ثانية. من يدري؟ "فهذه المرة قد لا تسلم الجرة " ... "ومن ذاق عرف". فهو مستعد أن يطوي على الجوع هو وعياله على أن يعتقل ثانية. ولن تتركه "الحياة" من رعايتها حتى يجد عملا آخر.

نحن نعتقد أن قرار ترك "الحياة" كان ينبغي أن يتخذه "إبراهيم حميدي" بعد خروجه من المعتقل مباشرة. هذا ما كان يفعله كل الذين أطلق سراحهم من معتقلات النظام السوري. خصوصا أن عطاء "حميدي" الصحفي بعد إطلاق سراحه لم يكن بجودة عطائه قبل اعتقاله. فقد أصبح يكتب وهو يتلفت يمينا وشمالا، وينقب في عباراته، عما إذا كان قد كتب شيئا يغضب أجهزة الأمن؟ ولا قرار على غضب أجهزة الأمن.

يبقى أن نشير إلى أن "إبراهيم حميدي" هو ابن قرية "أورم الجوز" ( خمسة كيلومترات غرب مدينة "أريحا" السورية). وتقع على سفح "جبل الزاوية" الذي لم يكن لأبنائه حضور سياسي منذ أن استولى "حافظ أسد" على السلطة، رغم عراقة هذا الجبل في قتال الفرنسيين في الثورة التي قادها "إبراهيم هنانو" عام 1920. وسكان جبل الزاوية كلهم من المسلمون السنة. ويفصل بينه وبين جبل العلويين سهل "الغاب" الضيق الذي يجري فيه نهرالعاصي. لهذه الأسباب كنت أعتقد أنه: عبثاً يحاول "إبراهيم حميدي" تحسين شروطه في العمل الصحفي، وهو من "جبل الزاوية" الذي ليس لأبنائه أي حظوة عند النظام السوري.

ولنفس الأسباب غاب عن شاشة العمل الصحفي في سورية زميله الصحفي "شعبان عبود" ابن قرية "بنش" ( 5 كيلومترات شرق إدلب) وسكانها كلهم من السنة. وتكاد تلتصق بقرية "الفوعة" التي سكانها كلهم من الشيعة الإمامية.  

 

الطاهر إبراهيم   كاتب سوري 

 

للتعليق على الموضوع

الاســـــــــــــــــــم :

البريد الالكتروني :

الــــتـــعــــلـــيـــق :

 

 
   
الصفحة الرئيسية
الكلمة الاولى
ما نقر به
علم ونشيد الحركة
بيانات وتعليقات الحركة
مقالات
الارشيف
 إتصل بنا
Join us

 

 

 

 

 

Copyright ©  New Lebanese 2007