|
بوش الراحل وبوش القادم
وليد
خليفة
05 تشرين ثاني
,
2008
أياً
كان الرئيس الجديد باراك أوباما أم جون ماكين فسيكون ذلك جيدا بالمقارنة مع
المغادر ، غير مأسوف عليه ، جورج بوش ؟ وأياً كان الرئيس الأمريكي القادم
فسيكون بالتأكيد أذكى من بوش ؟ وأياً كان الرئيس الأمريكي القادم فهو بالتأكيد
أقل قسوة من بوش ، وأياً كان الرئيس الأمريكي القادم سيكون أكثر رحمة من بوش
وأيا كان الرئيس الأمريكي القادم سيكون أقل حماقة من بوش وأقل غباء وأكرم من
بوش الغادر المغادر ، غير مأسوف عليه ، فأهلا بالرئيس الأمريكي القادم أيا كان
جون ماكين أم باراك أوباما ؟
جرت
العادة أن يبارك الرؤساء في العالم للرئيس الأمريكي الجديد ، كل على طريقته ،
ودرجة وضوحه ، ولا يغيب عن ذلك أحد ، ولا يتأخر أحد ، كفرض من فروض الدبلوماسية
، وشرط ضروري جدا للعلاقات المتعارف عليها عالميا ، ولكن هناك من الرؤساء العرب
الممانعين وجب عليهم لقاء الرئيس الأمريكي الجديد ، لا فقط مباركته عبر الهاتف
، بل لقائه في مكان محايد بعيدا عن أعين الإعلاميين وبعيدا عن زيارات خاصة
للبيت الأبيض لإعلان المباركة نظرا لضرورات الممانعة الواجبة في وجه أمريكا
كفرض إلزامي واجب وكفاية وقد تميز حافظ الأسد في هذا الصنف من المع ـضدية
للإمبريالية الأمريكية فلم يتأخر يوما عن مباركة الرئيس الأمريكي الجديد عبر
إحدى العواصم الأوروبية للقاء لا يستلزم انتهائه إلا ساعات يتم فيها تداول
الأساليب والاختراعات والطرق الجديدة لفن الممانعة العربي .
أما
بشار الأسد فقد شذ من البداية عن قاعدة الأب الراحل ، لا لأنه يرفض تلقي الخطط
ودروس في فن الممانعة بل لأن المهمة الأمريكية أوكلت في عهد بشار لمناصب أقل من
منصب الرئيس والوزير إلى مسئولي من رتبة ديفيد ويلش ، فمنذ البداية امتنع
الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون عن حضور مراسم تشييع الوالد وأرسل نيابة
عنه مادلين أولبريت وزيرة الخارجية بتنورتها الحمراء القصيرة التي أثارت وزير
الدفاع السوري مصطفى طلاس المعروف في هذا الشأن فاتهم الرجال من مستشاري
كلينتون بأنهم كانوا المسببين في غيابه عن مراسم التشييع على عكس رغبته ، ولكن
يبدو أن هذا الغياب المتعمد كان بمثابة إشارة إنذار للوريث القادم إلى الحكم
بشار ولكنه لم يستوعبها وظن أن ثمة خلط حصل ، وصدق وزير دفاع والده المأزوم
والمتأزم طوال وقوفه في الكادر كعاطل عن العمل برتبة وزير.
تفاخر
بشار منذ البداية المتجاورة مع نهاية عهد بيل كلينتون بأنه أجرى مكالمة هاتفية
مع الرئيس الأمريكي ، كلينتون ، ورفض خلالها بشار تليين خطابه في القمة العربية
" أكتوبر 2000" في القاهرة ، وقام بشار بفعل العكس متفاخرا بأنه زاد من حدة
خطابه وشدة لهجتها في قاموس المواجهة ـ حوار مع بشار الأسد في القدس العربي 31
أيار مايو 2002 .
نجاح
جورج بوش في الانتخابات الأمريكية في نوفمبر تشرين الثاني 2000 استقبله بشار
الأسد بحماس كبير وسارع وعبر صحفه في الإعراب عن أمله في أن يتبنى الرئيس
الجديد وجهة نظر مختلفة حيال قضايا الشرق الأوسط ، ويقصد قضية وجوده في كرسي
واسع عليه ، وقد كتب حينها تركي صقر رئيس تحرير البعث في افتتاحيته يوم 4
نوفمبر 2000 : " هل سيكون الرئيس الثالث والأربعون للولايات المتحدة الأمريكية
مختلفا عن الذي قبله أو عن الذي سيأتي من بعده ؟ " وتفاءلوا خيرا ببوش بدون أن
يظهروا أية خطوات عملية اتجاه صناعة سياسة تلفت النظر إليهم فيما سقط مهندس
سياساتهم الخارجية الوزير فاروق الشرع الذي لا يستطيع أن يضبط لسانه حسب
التقاليد الدبلوماسية المتعارفة بين السياسيين بإلقائه التصريح الذي لم يكن
يستند بعد على شيء سوى على جرعة الحماس التي بثها الصحفي المصري ، المعروف من
جهة التشابه الكبير بينه وبين الشرع ، الصحفي مصطفى بكري رئيس تحرير الأسبوع
المصرية في حوار له في الجريدة نفسها بتاريخ 24 نوفمبر 2002 " التحالف بين
اليمين المتطرف في الولايات المتحدة واليمين المتطرف في إسرائيل في وقتنا
الحالي وفي ظل سياسة بوش اليمين هو حلف شيطاني والإدارة الأمريكية الحالية هي
الأكثر رعونة وسوءا بين كل الإدارات الأمريكية " وبشار الأسد نفسه أراد أن ينظر
للمسألة بقوله " إن الإدارة الأمريكية واقعة تحت تأثير إسرائيل " ولكن ما السبب
الذي أدى به إلى ذلك ؟ .
بكل
بساطة نستطيع تبرير ذلك بملل الإدارات الأمريكية من غياب الموقف والرؤيا
الواضحة لدى القيادة السورية منذ الأب وانتهاء بالابن فقد عُرف عن الأب انتهاجه
لسياسة أكل الكعكة كلها مع تركها سليمة وكأنها لم تمس أو سياسة عدم الحراك
والصمت والانتظار والترقب والتوجس وكما قال عنه أحد الدبلوماسيين " أنه الرئيس
الذي يفضل البقاء في البيت وعدم الخروج في وقت تحاول الناس السير تحت قطرات
المطر بسرعة دون أن تصيبها البلل " ولكن بشار ومنذ البداية وتحت تأثير قلة
الخبرة والدراية جعل إضافة لصفات الوالد صفة أخرى تمثلت في التكثير من الكلام
الذي لا جدوى منه سوى إيهام الناس ببطولة لا وجود لها على أرض الواقع اقتداء
بمعلمه الروحي حسن نصر الله ومزاودا عليه في بازار الشعارت .
هكذا
لم يستقبل بوش وخلال إدارتيه المتعاقبتين الرئيس السوري الجديد ولم يعترف به
إلا عبر سفراء أو مندوبين عنه لإيصال الرسائل له ومؤخرا عن طريق الرئيس الفرنسي
ساركوزي فماذا عن الرئيس القادم ؟ هل سيستقبل بشار في جنيف كما جرت العادة مع
والده حافظ الأسد ؟ أم أن كلام بشار اللامجدي سيزيد من ورطاته الكثيرة وستستمر
عزلته الخارجية إلى أمد آخر ، هذا ما ننتظر معرفته في الأيام القادمة وهذا ما
ستشرحه لنا إجراءات الحكومة السورية القادمة التي لا تبشر بالخير في ظل الخطوات
التصعيدية مؤخرا حيال المدرسين الأمريكان وطلب المغادرة في وقت تعيش أمريكا
انشغالين كبيرين يحددان مسار سياساته القادمة أولهما انعطافة الانتخابات وصراع
من يحسم الأمور مع الأعداء الافتراضيين وثانيهما الأزمة المالية العاصفة والتي
لا تجد في أجندة حلولها أفضل من حرب تعيد إلى السوق بعض التوازن وما أسهل ذلك
على الجبهة السورية التي باتت لا تعرف كيف تصيغ قراراتها في ظل غياب رئيس يعرف
مفردات السياسة والدبلوماسية .
|